الجمعة، مارس ٢٦، ٢٠١٠

لندن ٢٠٠٩



 مفاجأة عيد ميلادي الثلاثين


كانت هي آخر سنةٍ لي في المملكة المتحدة، وكنت على أعتاب الرجوع لأرض الوطن، وعلى شرفة نهاية مرحلة الغربة التي مضيت فيها أكثر من عقدٍ من الزمن في ضيافة شعب المملكة المتحدة.. أكثر من عقدٍ شهدت فيه أحداث ومواقف ستظل أبد الدهر محفورةً في ذاكرتي.. كنت في أواخر أيامي في المملكة المتحدة قد سجلت لحضور دورة لمدة اسبوعين في جامعة لندن، وبما أنها آخر أيامي في تلك الأرض ولعلها تكون آخر زيارةٍ لي لمدينة الضباب -لندن- لأجلٍ قد يطول، قررت أن "أدلع" نفسي بعض الشيء وأن أسكن في هذين الاسبوعين في إحدى الفنادق الفخمة والعريقة في لندن..

بدأت بالبحث في الانترنت عن فندقٍ بحسب المواصفات تلك، وأثناء بحثي فوجئت بوجود فندق قريب من الجامعه كان قد بناه نفس المهندس ونفس العمال الذين بنوا السفينة الخالدة تيتانيك.. حجزت في الفندق فور معرفتي بتاريخه وعراقته خصوصاً وأن صالة الطعام الرئيسية في الفندق هي نسخةٌ طبق الأصل للمطعم الفاخر في السفينة تيتانيك، وأن بعض مباني الفندق كانت جزء من المتحف البريطاني الذي يقطن بجوار الفندق.. واستمرت الفرحة معي حتى يوم ذهابي للندن.. ولكن فور دخولي لحجرتي في الفندق تحطمت آمالي وتبددت فرحتي وحلت محلها خيبة أملٍ لصغر حجم الحجرة و للمنظر البائس الذي كانت تطل عليه نافذة الحجرة، فأردت تغيير الحجرة إلا أن جميع الغرف في الفندق كانت محجوزة إلا غرف الطوابق العلوية التي كان سعرها ضعف سعر غرفتي بعشرات المرات.. فبعد قراري بأن "أدلع" نفسي ودفع ما دفعته وصدمتي والسعر المضاعف للخيارات الأخرى، قنعت بالمثل القائل إن القناعة كنزٌ لا يفنى! 

كان من الأسباب التي دفعتني للحجز في هذا الفندق ودفع المبلغ الطائل -بالإضافة لكونها أواخر آيامي في بريطانيا-هو أن اليوم الرابع للدورة كان يصادف الأول من إبريل لسنة ٢٠٠٩ وهو يوم عيد ميلادي الثلاثين! ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! رضيت وقنعت بالحال وفي الحلق شجىً وفي الفؤاد حسرة! 

مضت ثلاثة أيام وفي ليلة ٣١ من مارس خلدت إلى فراشي في الحجرة الضيقة مبكراً بمراجٍ متعكر، وفور أن وضعت رأسي على الفراش لاحظت حركة غريبة بالقرب من باب الحمام! أضأت النور بالزر المجاور للسرير فإذا بي أُفاجأ بوجود فأر صغير في الغرفة! لا أدري لماذا التقطت كاميرة الفيديو التي كانت على الطاولة المجاورة للسرير وبدأت أصور الفأر حتى اختفى وقبع تحت الدولاب الكبير! جلست بعدها على السرير والغضب تثور أبخرته من رأسي ورفعت سماعة الهاتف وقلت لموظف الاستقبال بأني سوف أنشر هذا الفيديو في الانترنت وسأبعث به للصحافة ليتضح للناس جميعاً بأن هذا الفندق الفخم "ما يسوى"! حولني موظف الاستقبال لمدير الفندق الذي فور معرفته بالتفاصيل هرع إلى غرفتي مقدماً اعتذاراً بعد اعتذار وعرض علي أن ينقل هو بنفسه كل ملابسي وحقائبي إلى الغرفة الملكية في الطابق الأخير وما علي إلا أن أذهب إلى هناك وستصل الأغراض حالاً.. 

ترددت قليلاً وسألته إن كان يضمن لي بأن تلك الغرفة لن يتواجد بها فأرٌ آخر، فوضح لي بأن غرفتي هي في القسم القديم من الفندق أما غرف الطابق العلوي فهي كلها في القسم الجديد ولا يمكن للفئران الوصول إليه! واقفت على عرضه السخي وانتقلت إلى الغرفة الملكية، وفور وصولي اتصل بي موظف خدمة الغرف قائلاً بأن المدير أوصى لي بعشاء فاخر الليلة كتعبير عن اعتذاره الشديد مما حصل لي! كنت أعيش فيما يشبه الحلم! فموظفي خدمة الغرفة الملكية كانوا بالفعل يعاملونني كالملك! قدموا لي عشاءً فاخراً ورتبوا كل ملابسي وأغراضي في الغرفة الجديدة.. 

كانت ليلةً ليلاء! خلدت فيها إلى النوم مباشرةً بعد منتصف الليل.. أي في الأول من إبريل ٢٠٠٩، ذكرى عيد ميلادي الثلاثين.. خلدت إلى النوم وعلى وجهي ابتسامة عريضة، فقد قدم لي الفأر المسكين أجمل هدية في عيد ميلادي! فشكراً أيها الفأر وأنا مظطرٌ أن أنشر الفيديو الخاص بك، ليس شماتةً وسوء نية تجاه الفندق، بل كمبادرة شكر لك وثناء علي خدمة العملاء في الفندق!