قصة قصيرة
. رنـــيــــــــــن
فكرت كثيرا في عرض مشكلتي على طبيبٍ نفسي، وطال تفكيري وعرض.. إلا أنني كنت أتراجع دائماً عن اتخاذ مثل هذه الخطوة.. أحياناً كان التراجع فوراً حين تبدأ تلك الفكرة في التسلل إلى قرى أفكاري المتناثرة، وأحياناً أخرى كان التراجع يتأخر حتى دخولي العيادة وإلقائي نظرةً فاحصةً ناقدةً للمرضى في قاعة الانتظار.. أعتقد بأن أكثر مرتادي العيادات النفسية هم أصحاب شخصيةٍ متحرطمةٍ متذمرةٍ شكاكةٍ شكايةٍ إلى انقطاع النفس.. ويحاجون أنفسهم وغيرهم بأن لكل عقدةٍ شخصية حلٌ سحري بيد الأطباء.. وما أوهنها من حجة! لذلك أولاً ولاعتقادي ثانياً بأنني أعرف أين تكمن أصل مشكلتي، كنت دائماً أتراجع عن الانضمام لقوافل المتحرطمين المتمارضين
مشكلتي عبارة عن شجرةٍ لها جذورٌ لا تحصى عددا، ولها في السماء فروعاً لا تتوقف تفرعا، فلا اقتلاع الجذور الراسخة في أرض الواقع رسخاً بأمرٍ سهلاً، ولا حملُ فأسٍ قاطعٍ هو مانعٌ لنمو الشجرة أو للفروع راداً ردّا.. وكما أن شجرة المشاكل أخذت أزلاً في النمو والتجذر والتفرع فإن موتها سيأخذ من الزمن مأخذا..فصبراً صبرا، فذاك مفتاح الفرج.. المهم أن نقطع عن شجرة المشاكل ما جعلها دائماً تحيا.. فهو الماء، وفي واقعي فإن الماء الذي به للشجرة حياةً هو هاتفي النقال.. هو رأس المصائب وهو ساقي الشجرة المشؤمة سقيا
قصتي مع الهاتف النقال بدأت منذ صغري حين كنت أول من اقتنى هاتفاً نقالاً من بين أصدقائي وبعدها كنت أولهم اقتناءً لهاتفين ورقمين مميزين.. منذ تلك الأيام كنت في تغيير هواتفي دؤوباً ولكل جديدٍ طلوبا.. ربما أعتقدت يوماً أنني مسرفاً أو كنت سفيهاً مهملا، أو أنني في رحلة بحثٍ عن هاتفٍ يناسبني ولحياتي مرتِّباً مسهلا.. ولكنني لم أفكر حينها بجديةٍ عن سبب تتنقلي المستمر من هاتفٍ لآخر.. واليوم، بعد تفكيرٍ وتأنٍ، توصلت إلى يقينٍ بل عينُ اليقينِ في تلك المسألة.. إن تغييري الدؤوب لم يكن إلا هرباً من الهاتف، وكنت أتناسى وأتغاضى عن أن الهاتف هو أصل المشاكل، ويقيناً إذاً لن يجدي نفعاً كل هذا التغيير، وخلاصي لن يكون إلا بالتخلص من هاتفي النقال.. ولكن كيف أتخلص من هاتفي وأنا مقيدٌ به من كل حدبٍ وصوب!
فأنا الأخ الأكبر من بين إخواني وأخواتي، وأنا من حكم عليه المجتمع مؤبداً أن يكون قدوةً لمن جاء للحياة بعده من أبويه، ومع ذاك الحكم تأتي قائمة الأعمال الشاقة! فأنا السائق المجاني الذي بلمسة زرٍ واحدة يمكن الاتصال به، وإن لم أكن للطلب ملبياً هُزّت الرؤوسُ يُمنةً وشِمالا، وبدأت الألسنة تصطفق باللثث العلوية مصدرةً تلك الأصوات التي تجنبت كل لغات العالم أن تكتبها حروفاً، ثم تتبعها مقولة: (عيب عليك)! ومن هم حتى يحددون العيب؟ ولكن لا تنفع الثورة على التقاليد والأفكار في مثل هذه المواقف أبدا، فمن ثار عليها غدا ثوراً خائراً بعد الهياج، ولا حل إلا الإنقياد، والسير خلف تلكم الموروثات وأقاويل الجدات والأجداد
وإن لاحت في الأفق يوماً شرارة خلافٍ بين الإخوان، فلمسة زرٍ أو أزرار كافيةً لدعوة كبيرهم لفض النزاع وحل الخلاف.. فأنا بالنسبة لهم حلال المشاكل، بالله عليكم هل استطعت أن أقضي على شجرة مشاكلي لأحل مشاكلكم؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.. إنما هم يضيفون لشجرتي حديقةً كاملةً من شتى أصناف أشجار المشاكل! لقد وجدوا أبسط الحلول لمشاكلهم.. تخلوا عن ملكية الشجرة ومنحوها للذي قيل عنه: (أكبر منك بيوم أعقل منك بسنة).. وإن دفعت عن نفسي مسؤولية الحل، تحولت شرارة ذالك الخلاف إلى صواعقاً تطلقها نظراتهم نحوي.. وأبدأ أنا بالتساؤل: لماذا تلكلمت
! اللغات بالألسن؟ إن العيون أبلغ منطقاً وأثراً من ألف لسانٍ بليغ
أما الزوجة والأطفال فما أدراك وما أدراك! فبعد كل الطلبات، والصراخ، والبكاء الذي هو لأسطورة لذة النوم محطما.. يرن الهاتف حين تخرج من المنزل هاربا.. تُقيّدُ بأغلال الهاتف صبحاً ومساء.. وإن قلت لا، زاد اصطفاق الألسن باللثث وتوالت صواعق النظرات وبعدها رعداً صوت أقاربك وأقاربها وما بينهما من أناس: (حرام عليك اللي تسويه في أم عيالك وعيالك)، فمن الأفضل تجنب تلك المطرقة بأن تُطرِق برأسك أرضاً وتردد قائلاً: (سمعاً وطاعة، ما تامرون بشي ثاني؟).. لعمري كم تمنيت أن يكون الشيء الثاني هو( أنْ لا تخف فنحن من بعد هذا اليوم لن نتصل بك أبدا).. كثيراً ما أتساءل ألم يفهموا كلهم طيلة هذه السنين لماذا لم أبدأ الاتصال بهم أبدا؟
كل ذاك في كفّةٍ وما بقي كان أثقل! مديري الجديد.. جاهلٌ عنيد، وقد أثقل كاهلي العمل مع مديرٍ لا يُدير، ومسؤولٍ يَسألُ ولا يُسأل.. سيول مكالماته بكمِّها وكيفها كافيةً لأن تُغرق أمةً بأكملها! لا أعرف ماذا كان سيفعل من دوني.. حتى في إجازاتي فإنه يعاملني كالمارد في المصباح السحري، حين يحتاجه يلقاه، وطلباته في طُرفة عينٍ مُلباة! إن طبيعة عملي لا تسمح لي بتجاهل مكالماته، ولا رفض طلباته، ووفير الأموال التي أنالها من وظيفتي تطفئ كل حلمٍٍ بتغيير وظيفتي فضلاً عن استقالتي
أما الزوجة والأطفال فما أدراك وما أدراك! فبعد كل الطلبات، والصراخ، والبكاء الذي هو لأسطورة لذة النوم محطما.. يرن الهاتف حين تخرج من المنزل هاربا.. تُقيّدُ بأغلال الهاتف صبحاً ومساء.. وإن قلت لا، زاد اصطفاق الألسن باللثث وتوالت صواعق النظرات وبعدها رعداً صوت أقاربك وأقاربها وما بينهما من أناس: (حرام عليك اللي تسويه في أم عيالك وعيالك)، فمن الأفضل تجنب تلك المطرقة بأن تُطرِق برأسك أرضاً وتردد قائلاً: (سمعاً وطاعة، ما تامرون بشي ثاني؟).. لعمري كم تمنيت أن يكون الشيء الثاني هو( أنْ لا تخف فنحن من بعد هذا اليوم لن نتصل بك أبدا).. كثيراً ما أتساءل ألم يفهموا كلهم طيلة هذه السنين لماذا لم أبدأ الاتصال بهم أبدا؟
كل ذاك في كفّةٍ وما بقي كان أثقل! مديري الجديد.. جاهلٌ عنيد، وقد أثقل كاهلي العمل مع مديرٍ لا يُدير، ومسؤولٍ يَسألُ ولا يُسأل.. سيول مكالماته بكمِّها وكيفها كافيةً لأن تُغرق أمةً بأكملها! لا أعرف ماذا كان سيفعل من دوني.. حتى في إجازاتي فإنه يعاملني كالمارد في المصباح السحري، حين يحتاجه يلقاه، وطلباته في طُرفة عينٍ مُلباة! إن طبيعة عملي لا تسمح لي بتجاهل مكالماته، ولا رفض طلباته، ووفير الأموال التي أنالها من وظيفتي تطفئ كل حلمٍٍ بتغيير وظيفتي فضلاً عن استقالتي
..لقد كلَّ حدِّي ونضّ وُفري.. وكان لا بُد من خطةٍ للتمرد على هذا الواقع
* * *
كنت أفكر أحياناً وأنا في مصيدة زحام أوقات الذروة ورنين هاتفي يقرع طبل مسامعي أن أصعد لقمة أطول بُرجٍ في شارع الشيخ زايد لألقي بهاتفي أو هواتفي كلها من الأعالي، ثم أتلذذ برؤية المجانين من السائقين من حولي يسحقونه شرّ سحقةٍ، وبعـدها أقطـع تذكـرةً إلى أقاصـي الأرض بلا رجعـة.. "كنت" أفكر في ذلك، وكانت تلي تلك الأفكار -المجنونة فعلاً- فكرة عرض مشكلتي على طبيب نفسي، وتبدأ بعد ذلك سلالسل الأفكار بجري إلى مواقع شتى، ويالكثرة مفاجآت تلك السلاسل المتزاحمة حين تلقي بك إلى حيث لم تحتسب! فلا أعرف كيف أو متى بالضبط تشكلت في ذهني خطة التمرد
التمرد أنواع فمنه دائمٌ كامل، ومنه مؤقتٌ زائل.. وكان علي اختيار الأنسب.. وفي حالتي ومجتمعي فإن التمرد على الموروثات كلها دفعةً واحدة يتطلب شجاعةً وبأساً، وأعترف هنا أن ضؤولة نفسي وانقطاع سببي وتجذر مشاكلي لا يسمح لي بتمرد شامل.. إذاً فالتمرد المؤقت أفضل.. فلنقطع الماء مؤقتاً عن تلك الشجرة المشؤومة ولأمنح نفسي متنفساً من الراحة.. سأُسكت هاتفي النقال لعدة أيامٍ موصولات بوضعه على الوضع الصامت، ولنرى كيف ستكون ردة فعل المجتمع والبيت والعمل
أقنعت أخي أن نسافر معاً عائلتي وعائلته لمدة إسبوعٍ كامل.. زوجتي لم تصدق بدايةً وسألتني كثيراً عن أنه كيف لي أن أقضي الإجازة في أوروبا وأنا لدي الكثير من الالتزامات في العمل، ولكن فرحتها هي والأطفال بخبر السفرة جعل إجاباتي المقتضبة والغير موزونة شديدة الإقناع! أما مديري فقد وقع على الموافقة وعلى شفتيه ابتسامة قاطعة بأن "الإجازة" ما هي إلا عبارة عن تغييرٌ في أوقات عملي ومكاني، فهو حتماً سيتصل بي.. آهٍ لو يعلمون ما كنت أخفي في صدري وزيف نبرة صوتي ونظراتي
وفي اليوم الموعود.. ذهبنا للمطار جميعاً بكل عدنا وعتادنا، واجتزنا بوابةً بعد بوابة.. وقبل دخولنا الطائرة بدقائقٍ يتيمة أخذت نفساً طويلاً فبل أن أعلن بداية التمرد.. جاهدت في رسم تعابير حزينة وصوتٌ آسفًٌ حين أنبأتهم بالخبر الكاذب الذي سيكون أول الغيث.. قلت لهم بأن مديري قد هاتفني للتو وأن هناك مشكلة طارئة علي أن أحلها حالاً قبل السفر، ثم منيتهم بوعدٍ كسحابة صيفٍ ٍ بأنني سألحق بهم في طيارة الغد، لم يسرهم ذاك الخبر ولكن أخي شمر عن ساعديه وهو يأخذ حمل المسؤولية عن كتفي مؤكداً بأن عائلتي ستكون قرة عينه وأول اهتمامه حتى وصولي أنا.. فلتأخذ
التمرد أنواع فمنه دائمٌ كامل، ومنه مؤقتٌ زائل.. وكان علي اختيار الأنسب.. وفي حالتي ومجتمعي فإن التمرد على الموروثات كلها دفعةً واحدة يتطلب شجاعةً وبأساً، وأعترف هنا أن ضؤولة نفسي وانقطاع سببي وتجذر مشاكلي لا يسمح لي بتمرد شامل.. إذاً فالتمرد المؤقت أفضل.. فلنقطع الماء مؤقتاً عن تلك الشجرة المشؤومة ولأمنح نفسي متنفساً من الراحة.. سأُسكت هاتفي النقال لعدة أيامٍ موصولات بوضعه على الوضع الصامت، ولنرى كيف ستكون ردة فعل المجتمع والبيت والعمل
أقنعت أخي أن نسافر معاً عائلتي وعائلته لمدة إسبوعٍ كامل.. زوجتي لم تصدق بدايةً وسألتني كثيراً عن أنه كيف لي أن أقضي الإجازة في أوروبا وأنا لدي الكثير من الالتزامات في العمل، ولكن فرحتها هي والأطفال بخبر السفرة جعل إجاباتي المقتضبة والغير موزونة شديدة الإقناع! أما مديري فقد وقع على الموافقة وعلى شفتيه ابتسامة قاطعة بأن "الإجازة" ما هي إلا عبارة عن تغييرٌ في أوقات عملي ومكاني، فهو حتماً سيتصل بي.. آهٍ لو يعلمون ما كنت أخفي في صدري وزيف نبرة صوتي ونظراتي
وفي اليوم الموعود.. ذهبنا للمطار جميعاً بكل عدنا وعتادنا، واجتزنا بوابةً بعد بوابة.. وقبل دخولنا الطائرة بدقائقٍ يتيمة أخذت نفساً طويلاً فبل أن أعلن بداية التمرد.. جاهدت في رسم تعابير حزينة وصوتٌ آسفًٌ حين أنبأتهم بالخبر الكاذب الذي سيكون أول الغيث.. قلت لهم بأن مديري قد هاتفني للتو وأن هناك مشكلة طارئة علي أن أحلها حالاً قبل السفر، ثم منيتهم بوعدٍ كسحابة صيفٍ ٍ بأنني سألحق بهم في طيارة الغد، لم يسرهم ذاك الخبر ولكن أخي شمر عن ساعديه وهو يأخذ حمل المسؤولية عن كتفي مؤكداً بأن عائلتي ستكون قرة عينه وأول اهتمامه حتى وصولي أنا.. فلتأخذ
!المسؤولية، ولتجرب طعمها المر فأنا لن أسافر معكم
خرجت من المطار محلقاً فرحاً وتوجهت فوراً إلى فندق برج العرب، حيث كانت غرفتي بانتظاري.. وحيث سيخرس هاتفي حتى إشعار آخر.. قالت زوجتي بأنها ستتصل فور هبوط الطائرة وقال أخي وقال المدير.. فليتصل المتصلون جميعاً، وليفعلوا ما يفعلون ولتنقلب الأرض على السماء، لا يهمني كل ذلك.. فأنا الآن في فراشي الوثير، هاتفي الأخرس، ساعتي، كمبيوتري المحمول، جميعهم ألقيت بهم أرضاً، وأغلقت الستائر كلها لأغرق في سباتٍ عميق.. وها أنا أغرق ولا أقاوم النعاس
خرجت من المطار محلقاً فرحاً وتوجهت فوراً إلى فندق برج العرب، حيث كانت غرفتي بانتظاري.. وحيث سيخرس هاتفي حتى إشعار آخر.. قالت زوجتي بأنها ستتصل فور هبوط الطائرة وقال أخي وقال المدير.. فليتصل المتصلون جميعاً، وليفعلوا ما يفعلون ولتنقلب الأرض على السماء، لا يهمني كل ذلك.. فأنا الآن في فراشي الوثير، هاتفي الأخرس، ساعتي، كمبيوتري المحمول، جميعهم ألقيت بهم أرضاً، وأغلقت الستائر كلها لأغرق في سباتٍ عميق.. وها أنا أغرق ولا أقاوم النعاس
***
تململت في فراشي، استيقظت وكانت عيناي لا تزال مغلقتان، أدركت أن على وجهي إبتسامة عريضة، ابتسامة فرح وغرور، لقد نجحت الخطة.. فتحت عيناي بكسل.. لا أعلم إن كان الوقت ليلاً أم نهارا، الستائر الداكنة تمنع أي شعاع نورٍ بالدخول إلى جنتي هنا.. تسللت عيناي لترقب الهاتف المقلوب والقابع على أرض الغرفة.. ضحكت.. ثم ضحكت.. وأطلقت تنهيدة ارتياح.. واستسلمت مرةً أخرى لثقل جفناي وللظلام الحالك
***
آهٍ لك أيها الكسل وآهٍ لك أيها الخمول، كم افتقدتكما.. أشعر بأن كل ذرة في جسمي ترفض الحراك قبل غيرها.. لا أعرف كم مضى من الوقت ولا أعرف إن كنت قد نمت مرةً ثالثة أو رابعة قبل أن أتحرك ببطءٍ شديد لأصل لكمبيوتري المحمول..فتحته، وتجاهلت الدخول في صندوق الرسائل الإلكترونية.. بدأت أقلب الصفحت الالكترونية بعشوائية ودون هدف.. وقعت عيني على الساعة في الزاوية اليمنى بالأسفل.. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف..لم أهتم إن كانت السادسة صباحاً أو مساءً، في البداية لم أهتم أي يومٍ هو اليوم، ثم دفعني الفضول المدفوع دفعاً من الملل إلى النقر مرتين على الساعة لأعرف أي يومٍ هو بالضبط
!الثلاثاء؟
السادسة والنصف مساءً
!أي أنني.. نمت من السبت إلى الثلاثاء
لم أعرف كيف أمتص هذا الواقع.. أذكر إنني دخلت الفدق يوم السبت ظهراً .. ثلاثة أيام؟ بل أربعة! هل يُعقل ذلك؟ لماذالا أشعر بالفرح؟ هذا ما خططت له لأشهرٍ طوال، يجب أن أصطنع الفرح وإن لم يكون نابعاً من أعماقي.. قفزت عيناي ساحبةً معها رقبتي لتنظر إلى الهاتف المقلوب على الأض في زاوية الغرفة.. شعرت بالرهبة.. ماذا سأقول لزوجتي؟ أو "علايه" أصغر بناتي التي أعلنت دون ترددٍ لكل القوم بأنها بنت أبوها وبس! حتماً ستبكي كثيرا إن لم أكلمها لثلاثة أيامٍ بل أربعة.. وماذا لو طرأ طارئً على صحة أبي وأمي؟
لا..لا.. علايه يجب أن تبدأ في الاعتماد على نفسها، وزوجتي ستتفهم الوضع، ولطالما كانت معي صبورة.. أما أبي وأمي فهم يحسبون إنني في سفر وماذا كنت أفعل إن طرأ حالٌ وأنا في سفر؟ ولكن .. ماذا لو كانت زوجتي قد أخبرتهم بالفعل عن عدم سفري.. حتماً سيتصلون بي وإن لم أرد على مكالمتهم فأنا على يقين بأن أبي لن ينام وأمي ستزداد حالتها الصحية تدهوراً وإخواني سيبحثون عني في المستشفيات وسيبلغون مراكز الشرطة.. قد يرن هاتف الغرفة في أي لحظة
!الثلاثاء؟
السادسة والنصف مساءً
!أي أنني.. نمت من السبت إلى الثلاثاء
لم أعرف كيف أمتص هذا الواقع.. أذكر إنني دخلت الفدق يوم السبت ظهراً .. ثلاثة أيام؟ بل أربعة! هل يُعقل ذلك؟ لماذالا أشعر بالفرح؟ هذا ما خططت له لأشهرٍ طوال، يجب أن أصطنع الفرح وإن لم يكون نابعاً من أعماقي.. قفزت عيناي ساحبةً معها رقبتي لتنظر إلى الهاتف المقلوب على الأض في زاوية الغرفة.. شعرت بالرهبة.. ماذا سأقول لزوجتي؟ أو "علايه" أصغر بناتي التي أعلنت دون ترددٍ لكل القوم بأنها بنت أبوها وبس! حتماً ستبكي كثيرا إن لم أكلمها لثلاثة أيامٍ بل أربعة.. وماذا لو طرأ طارئً على صحة أبي وأمي؟
لا..لا.. علايه يجب أن تبدأ في الاعتماد على نفسها، وزوجتي ستتفهم الوضع، ولطالما كانت معي صبورة.. أما أبي وأمي فهم يحسبون إنني في سفر وماذا كنت أفعل إن طرأ حالٌ وأنا في سفر؟ ولكن .. ماذا لو كانت زوجتي قد أخبرتهم بالفعل عن عدم سفري.. حتماً سيتصلون بي وإن لم أرد على مكالمتهم فأنا على يقين بأن أبي لن ينام وأمي ستزداد حالتها الصحية تدهوراً وإخواني سيبحثون عني في المستشفيات وسيبلغون مراكز الشرطة.. قد يرن هاتف الغرفة في أي لحظة
!معلناً بأن الشرطة هنا يبحثون عن من خرج ولم يعد! وبعد أيامٍ يُنشر الخبر في الصحف والمجلات
قفزت رجلاي وانقاد جسمعي معهما نحو الهاتف..يا ترى أمازالت البطارية حيةً ترزق؟ وياترى أوصلت المكالمات التي لم أرد عليها لمجموع ثلاثة أرقامٍ أو ربما أربعة؟ وهل للهاتف القدرة على وضع مثل هذا الرقم الكبير في خانة لمكالمات الفائتة؟
..أمسكت بالهاتف.. وضغطت على زر الإنارة
!وليتني لم أضغط
أنارت الشاشة وأصابني الشلل بغتة! عضلات وجهي لم تعد تتحرك، ففمي مفتوحٌ على آخره، وجفناي العلويان أبعد ما يكون البعد عن السفليان، وأصابعي غدت عظاماً يابسة لا روح فيها ولا حياة.. لا أدري إن كان الشلل يوقف سيول الأفكار كما يوقف العضلات! ففي تلك اللحظة..ربما لُـحيظة، أو ثانيةٍ أو ثوان، ربما دقائق، فلم أعد أثق بإحساسي بالزمن، في تلك اللحظة أحسست بأن رأسي وجسمي لم يعد بداخله إلا الفراغ..لا شيء إلا الفراغ
شاشة الهاتف كانت فارغة.. صماء..لا مكالمات ولا رسائل ولا إنذارات.. ثلاثة أيامٍ بل أكثر.. ولم يتصل بي أحد! لماذا؟ لماذا لا يهتم بي أحد؟ ماذا لو كانت روحي قد فاضت لبارئها ولم يعد جسمي إلا جثةً هامدة.. لن يسأل عني أحد حتى تملأ الفندق رائحة الموت؟ إلهذه الدرجة يكرهني الجميع؟ هل عرفوا زيف نبأي وعلموا الغيب من أعمالي؟ على الأقل اتصال واحد من أم العيال، أو حتى ابنتي "بنت أبوها".. وأبي وأمي.. ألم يقلقا علي وألم يؤرقهما غيابي؟ عسى أن لا يكون المانع إلا خيرا.. أخواني وأخواتي ألا يحتاجون لمن دائماً فض نزاعاتهم وصالح بينهم؟ هل تغيرت الدنيا وأنا في سباتٍ عميق؟
قفزت رجلاي وانقاد جسمعي معهما نحو الهاتف..يا ترى أمازالت البطارية حيةً ترزق؟ وياترى أوصلت المكالمات التي لم أرد عليها لمجموع ثلاثة أرقامٍ أو ربما أربعة؟ وهل للهاتف القدرة على وضع مثل هذا الرقم الكبير في خانة لمكالمات الفائتة؟
..أمسكت بالهاتف.. وضغطت على زر الإنارة
!وليتني لم أضغط
أنارت الشاشة وأصابني الشلل بغتة! عضلات وجهي لم تعد تتحرك، ففمي مفتوحٌ على آخره، وجفناي العلويان أبعد ما يكون البعد عن السفليان، وأصابعي غدت عظاماً يابسة لا روح فيها ولا حياة.. لا أدري إن كان الشلل يوقف سيول الأفكار كما يوقف العضلات! ففي تلك اللحظة..ربما لُـحيظة، أو ثانيةٍ أو ثوان، ربما دقائق، فلم أعد أثق بإحساسي بالزمن، في تلك اللحظة أحسست بأن رأسي وجسمي لم يعد بداخله إلا الفراغ..لا شيء إلا الفراغ
شاشة الهاتف كانت فارغة.. صماء..لا مكالمات ولا رسائل ولا إنذارات.. ثلاثة أيامٍ بل أكثر.. ولم يتصل بي أحد! لماذا؟ لماذا لا يهتم بي أحد؟ ماذا لو كانت روحي قد فاضت لبارئها ولم يعد جسمي إلا جثةً هامدة.. لن يسأل عني أحد حتى تملأ الفندق رائحة الموت؟ إلهذه الدرجة يكرهني الجميع؟ هل عرفوا زيف نبأي وعلموا الغيب من أعمالي؟ على الأقل اتصال واحد من أم العيال، أو حتى ابنتي "بنت أبوها".. وأبي وأمي.. ألم يقلقا علي وألم يؤرقهما غيابي؟ عسى أن لا يكون المانع إلا خيرا.. أخواني وأخواتي ألا يحتاجون لمن دائماً فض نزاعاتهم وصالح بينهم؟ هل تغيرت الدنيا وأنا في سباتٍ عميق؟
..وهل
!رن الهاتف
نعم.. انه الهاتف يرن.. بعد طول غياب.. ما أحلى هذا الجهاز الذي يذكرك بأن هناك من يتذكرك
إنها ام العيال.. كدت أن أرد على المكالمة، ولكن مشاعر الفرح تلك لم تلبث أن انقلبت إلى غضب.. لماذا لم تتصل بي فور هبوط الطائرة؟ تركت الهاتف يرن ويرن ويرن.. حتى سكت.. ولم يطول الوقت حتى رن الهاتف مرةً أخرى معلنةً وصول رسالة مرئية.. مرةً أخرى من هاتف أم العيال.. تركت الهاتف جانباً للحظة، كان الصداع والغضب واليأس والوحدة والرهبة كلها تعصف برأسي.. فكرت في النوم مرة أخرى.. لا.. لا أريد أن أغرق في سباتٍ آخر
رجعت للهاتف مرةً أخرى لأرى الرسالة المرئية.. ضغطت غلى زر التشغيل.. كانت علاية في الصورة والحزن بادٍ على وجهها.. إنهم في الطيارة.. صوتها غير واضح.. تعاتبني؟ إنها تقول أنهم قد وصلوا للتو وهم في انتظاري.. ثم تأتي زوجتي في الصورة وهي تقول: (حبيت أطمنك إننا قد وصلنا للتو.. ويقولون إن الجو تحت الصفر.. وبنتك علايو وايد صاحت في الطيارة وكلنا وايد وايد مشتاقين.. خبرني متى توصل طيارتك).. وصولوا للتو؟ وكيف ذلك؟ ضغطت على زر معلومات الرسالة.. كانت الشاشة تقول بأن الرسالة قد أرسلت يوم السبت الساعة السابعة مساءً بتوقيت الإمارات! رجعت لخانة
!رن الهاتف
نعم.. انه الهاتف يرن.. بعد طول غياب.. ما أحلى هذا الجهاز الذي يذكرك بأن هناك من يتذكرك
إنها ام العيال.. كدت أن أرد على المكالمة، ولكن مشاعر الفرح تلك لم تلبث أن انقلبت إلى غضب.. لماذا لم تتصل بي فور هبوط الطائرة؟ تركت الهاتف يرن ويرن ويرن.. حتى سكت.. ولم يطول الوقت حتى رن الهاتف مرةً أخرى معلنةً وصول رسالة مرئية.. مرةً أخرى من هاتف أم العيال.. تركت الهاتف جانباً للحظة، كان الصداع والغضب واليأس والوحدة والرهبة كلها تعصف برأسي.. فكرت في النوم مرة أخرى.. لا.. لا أريد أن أغرق في سباتٍ آخر
رجعت للهاتف مرةً أخرى لأرى الرسالة المرئية.. ضغطت غلى زر التشغيل.. كانت علاية في الصورة والحزن بادٍ على وجهها.. إنهم في الطيارة.. صوتها غير واضح.. تعاتبني؟ إنها تقول أنهم قد وصلوا للتو وهم في انتظاري.. ثم تأتي زوجتي في الصورة وهي تقول: (حبيت أطمنك إننا قد وصلنا للتو.. ويقولون إن الجو تحت الصفر.. وبنتك علايو وايد صاحت في الطيارة وكلنا وايد وايد مشتاقين.. خبرني متى توصل طيارتك).. وصولوا للتو؟ وكيف ذلك؟ ضغطت على زر معلومات الرسالة.. كانت الشاشة تقول بأن الرسالة قد أرسلت يوم السبت الساعة السابعة مساءً بتوقيت الإمارات! رجعت لخانة
!المكالمات الفائتة.. أيضاً مكالمة زوجتي التي لم أرد عليها كانت في يوم السبت بنفس التوقيت
هرعت إلى كمبيوتري المحمول.. لا زال مُصراً على أن اليوم هو الثلاثاء.. دخلت عدة مواقع في الانترنت لأتأكد أي يومٍ هو اليوم.. كلها تؤكد أن اليوم هو السبت.. أي أن ساعة هذا الجهاز مخطئة! أي أن الجميع لا يكرهني! أي أنني نمت فقط لمدة أربعة أو خمسة ساعات متقطعة، ولم يكن سباتاً طويلا.. رن هاتفي مرة أخرى.. إنه أبي.. حتماً عرف للتو بأني لم أسافر معهم.. لم أستطع الرد عليه.. فالدموع المحبوسة في مقلتاي كانت تحبس عبراتي وتخنق صوتي
هرعت إلى كمبيوتري المحمول.. لا زال مُصراً على أن اليوم هو الثلاثاء.. دخلت عدة مواقع في الانترنت لأتأكد أي يومٍ هو اليوم.. كلها تؤكد أن اليوم هو السبت.. أي أن ساعة هذا الجهاز مخطئة! أي أن الجميع لا يكرهني! أي أنني نمت فقط لمدة أربعة أو خمسة ساعات متقطعة، ولم يكن سباتاً طويلا.. رن هاتفي مرة أخرى.. إنه أبي.. حتماً عرف للتو بأني لم أسافر معهم.. لم أستطع الرد عليه.. فالدموع المحبوسة في مقلتاي كانت تحبس عبراتي وتخنق صوتي
***
خرجت من الفندق أسابق الرياح متجهاً نحو المطار بعد أن دفعت ما علي في الفندق وأرسلت رسالة إلكترونية لمديري أعلن فيها استقالتي ثلاثاً من عملي معه.. كانت يدي اليسرى على عجلة القيادة واليمنى ماسكةً بالهاتف.. لا أدري بمن أتصل اولاً.. أبي، أمي، إخوتي، زوجتي؟
..أنا الشجرة ولكم كلكم أحبتي كل الثمر، كله
!يجب أن أشتري هاتفاً لعلايه ويجب أن أشتري لي هاتفاً جديداً يتيح لي أن أرسل رسائلاً مرئية
!يجب أن أشتري هاتفاً لعلايه ويجب أن أشتري لي هاتفاً جديداً يتيح لي أن أرسل رسائلاً مرئية
!وحتماً يجب أن تكون به خاصية عرض التاريخ واليوم في شاشة العرض الرئيسية
(تمت)
(تمت)





