الجمعة، مارس ٢٦، ٢٠١٠

لندن ٢٠٠٩



 مفاجأة عيد ميلادي الثلاثين


كانت هي آخر سنةٍ لي في المملكة المتحدة، وكنت على أعتاب الرجوع لأرض الوطن، وعلى شرفة نهاية مرحلة الغربة التي مضيت فيها أكثر من عقدٍ من الزمن في ضيافة شعب المملكة المتحدة.. أكثر من عقدٍ شهدت فيه أحداث ومواقف ستظل أبد الدهر محفورةً في ذاكرتي.. كنت في أواخر أيامي في المملكة المتحدة قد سجلت لحضور دورة لمدة اسبوعين في جامعة لندن، وبما أنها آخر أيامي في تلك الأرض ولعلها تكون آخر زيارةٍ لي لمدينة الضباب -لندن- لأجلٍ قد يطول، قررت أن "أدلع" نفسي بعض الشيء وأن أسكن في هذين الاسبوعين في إحدى الفنادق الفخمة والعريقة في لندن..

بدأت بالبحث في الانترنت عن فندقٍ بحسب المواصفات تلك، وأثناء بحثي فوجئت بوجود فندق قريب من الجامعه كان قد بناه نفس المهندس ونفس العمال الذين بنوا السفينة الخالدة تيتانيك.. حجزت في الفندق فور معرفتي بتاريخه وعراقته خصوصاً وأن صالة الطعام الرئيسية في الفندق هي نسخةٌ طبق الأصل للمطعم الفاخر في السفينة تيتانيك، وأن بعض مباني الفندق كانت جزء من المتحف البريطاني الذي يقطن بجوار الفندق.. واستمرت الفرحة معي حتى يوم ذهابي للندن.. ولكن فور دخولي لحجرتي في الفندق تحطمت آمالي وتبددت فرحتي وحلت محلها خيبة أملٍ لصغر حجم الحجرة و للمنظر البائس الذي كانت تطل عليه نافذة الحجرة، فأردت تغيير الحجرة إلا أن جميع الغرف في الفندق كانت محجوزة إلا غرف الطوابق العلوية التي كان سعرها ضعف سعر غرفتي بعشرات المرات.. فبعد قراري بأن "أدلع" نفسي ودفع ما دفعته وصدمتي والسعر المضاعف للخيارات الأخرى، قنعت بالمثل القائل إن القناعة كنزٌ لا يفنى! 

كان من الأسباب التي دفعتني للحجز في هذا الفندق ودفع المبلغ الطائل -بالإضافة لكونها أواخر آيامي في بريطانيا-هو أن اليوم الرابع للدورة كان يصادف الأول من إبريل لسنة ٢٠٠٩ وهو يوم عيد ميلادي الثلاثين! ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! رضيت وقنعت بالحال وفي الحلق شجىً وفي الفؤاد حسرة! 

مضت ثلاثة أيام وفي ليلة ٣١ من مارس خلدت إلى فراشي في الحجرة الضيقة مبكراً بمراجٍ متعكر، وفور أن وضعت رأسي على الفراش لاحظت حركة غريبة بالقرب من باب الحمام! أضأت النور بالزر المجاور للسرير فإذا بي أُفاجأ بوجود فأر صغير في الغرفة! لا أدري لماذا التقطت كاميرة الفيديو التي كانت على الطاولة المجاورة للسرير وبدأت أصور الفأر حتى اختفى وقبع تحت الدولاب الكبير! جلست بعدها على السرير والغضب تثور أبخرته من رأسي ورفعت سماعة الهاتف وقلت لموظف الاستقبال بأني سوف أنشر هذا الفيديو في الانترنت وسأبعث به للصحافة ليتضح للناس جميعاً بأن هذا الفندق الفخم "ما يسوى"! حولني موظف الاستقبال لمدير الفندق الذي فور معرفته بالتفاصيل هرع إلى غرفتي مقدماً اعتذاراً بعد اعتذار وعرض علي أن ينقل هو بنفسه كل ملابسي وحقائبي إلى الغرفة الملكية في الطابق الأخير وما علي إلا أن أذهب إلى هناك وستصل الأغراض حالاً.. 

ترددت قليلاً وسألته إن كان يضمن لي بأن تلك الغرفة لن يتواجد بها فأرٌ آخر، فوضح لي بأن غرفتي هي في القسم القديم من الفندق أما غرف الطابق العلوي فهي كلها في القسم الجديد ولا يمكن للفئران الوصول إليه! واقفت على عرضه السخي وانتقلت إلى الغرفة الملكية، وفور وصولي اتصل بي موظف خدمة الغرف قائلاً بأن المدير أوصى لي بعشاء فاخر الليلة كتعبير عن اعتذاره الشديد مما حصل لي! كنت أعيش فيما يشبه الحلم! فموظفي خدمة الغرفة الملكية كانوا بالفعل يعاملونني كالملك! قدموا لي عشاءً فاخراً ورتبوا كل ملابسي وأغراضي في الغرفة الجديدة.. 

كانت ليلةً ليلاء! خلدت فيها إلى النوم مباشرةً بعد منتصف الليل.. أي في الأول من إبريل ٢٠٠٩، ذكرى عيد ميلادي الثلاثين.. خلدت إلى النوم وعلى وجهي ابتسامة عريضة، فقد قدم لي الفأر المسكين أجمل هدية في عيد ميلادي! فشكراً أيها الفأر وأنا مظطرٌ أن أنشر الفيديو الخاص بك، ليس شماتةً وسوء نية تجاه الفندق، بل كمبادرة شكر لك وثناء علي خدمة العملاء في الفندق! 


الأربعاء، نوفمبر ٢٦، ٢٠٠٨

مومباي ١٩٩٣


رســـــمـلاي بـمـبـــي


بومباي. مومباي، أو بمبي كما يحلو للخليجيين تسميتها.. العاصمة القديمة العتيقة للهند.. الأرض التي لاتنام.. الأرض الذي تمتزج فيها الألوان والموسيقى والبهارات الصاخبة بمعاناة الفقراء ومن هم آفقر من الفقر نفسه، الذين يفترشون الطرقات والأرصفة البائسة بيتاً لهم.. وفي نفس الوقت تناطح فيها العمارات الشاهقة وأموال الأغنياء الطائلة أعالي السماء.. وتشترك فيها المتناقضات تلكَ كلها في عشق أفلام بوليود وأبطالها وأغانيها، ويحمل فيها كل شابٍ وشابةٍ حلم أن يكونوا يوماً ما إمّا أبطالاً في بوليود أو واقعاً يجسد ما يُـمثل فيها..


* * *

مطعم دلهي دربار.. في منطقة كولابا بالقرب من الساحل التجاري في بمبي.. مطعمٌ يرتاده الكثير من العرب يومياً.. وتكثر في زوايا طاولاته تواقيع الأقلام العربية.. وبالرغم من أنه في كل سنةٍ تُجدد الطاولات وتُصبغ، إلا أنه حين يرتحل لها العرب في الصيف التالي، يعاودون الكرّة مرةً بعد أخرى في التواقيع تلك.. فتجد في زاوية إحدى الطاولات مثلاً التوقيع التالي: (أبو البراري.. وصلاوي بطل الكاس والدوري).. وعلى تلك الطاولة بالتحديد كنت أنا وعمّار نتغدى يوماً حين كنا في الثالثة عشر ربيعاً.. نظر عمار إليَّ مُخفياً ابتسامةً في عينيه قبل فمه ثم رفع حاجبيه بشكلٍ متتالٍ قائلاً : (عطني شعرة من راسك!)

عمار وما أدراك من هو عمار!
هو أصغر أعضاء شلة أيام الطفولة.. هو أكثرهم شغباً و"شطانةً" وفُكاهةً منذ الصغر.. وهو الذي لم تمل المشاكل في ملاحقته يوماً، وإن في يومٍ تعبت أو انكفأت المشاكل بدأ هو بملاحقتها! نَظرتُ إليهِ وإلى بريقِ صلعته، الصلعة التي كانت جزاءً له وعقاب على إحدى سواد فعله وفعاله مباشرةً قبل سفرنا إلى بمبي، وكان أبوه قد حذره حينها بأن العقاب القادم سيكون الحبس في "سجن الفيارين".. وسجن الفيارين هو غرفة في ملحق الخدم في بيتهم.. غرفةً تحولت بمرور السنين إلى مخزنٍ لكل ما هو غير مرغوب وعفّت النفس عن إلقائه في القمامة! التفتُّ يُمنةً ويُسرى داعياً في قرارة نفسي بأن من حولنا من الخليجيين والعوائل التي تعرفنا لن تنتبه لما سيشتد من النقاش ويحتد.. همست بصوتٍ به تذكرةً ووعيد: (شعرة من راسي؟! عيب عليك.. نحن في مطعم محترم.. وهل نسيت سجن الفيارين؟)

أشاح هو بوجهه بدلاً من أن يبدأ معي -كعادته- في جدلٍ وجدال ونقاشٍ يطولُ ولا يُطال، ثم بدأ بتناول وجبته الدسمة بعجلة ولم ينطق بحرفٍ ولم ينظر إلي.. وحين أنهى وجبته طلب من الجرسون أن يحضر له قائمة الحلويات، واختار منها "رسملاي".. كل هذا دون أن ينظر إلي كما لو كنت غير موجودً معه أصلاً.. وطيلة الدقائق التي انتظر فيها الـ"رسملاي" كانت قدماه ترتد على الأرض وتضربها بسرعةٍ ووتيرةٍ تزداد حيناً وتتناقص حيناً آخر حتى جاء الجرسون بطلبه.. هنا وجه عمار عينيه نحوي راسماً فيهما ابتسامةً هي أشد خُبثاً ومكراً من تلك الأولى التي سبقت طلبه للشعرة، ثم رفع أحد حاجبيه بشكلٍ درامي وسألني بلهجة الواثقين العارفين وهو ينفخ صدره في زهوٍ وخيلاء: (غيرت رايك؟ أم لا زلت مُصراً بآنك لن تعطيني شعرة من راسك؟)

تباطأت سرعة مضغي للقمة البرياني وحركت رأسي يُمنةً ويُسرى نافياً تغيير رأيي ومُعلناً عن إصراري على تماسكي وتمسكي بموقفي الذي به سننجو من خطط وأفكار المجنون الذي يجلس أمامي.. أما هو فقد بدأ حاجباه يرتفعان بشكلٍ متتالي وهو يقول: (صحيح بآن رأسي ليس به شعرةً واحدة ولكن...) هنا مدة يده إلى تحت الطاولة مُكملاً جملته بنغمةٍ موسيقية غريبة: (...تناننغ تنااان...) وهنا رجعت يداه من تحت الطاولة وبها شعرةً يتيمة وهو يكمل: (..ولكن عندي شعر كثير كثير جداً جداً في رجلي!) وأتبعها بحركة خاطفة ألقى بها الشعرة في طبق الـ"رسملاي" ووضع ملعقته فيها ثم صرخ بصوتٍ عالٍ عال: (ذِس إس أنإكسيبتابل.. وين مدير المطعم؟ شو هالوصاخة!!).. جاء الجرسون الطويل النحيف راكِضاً راجفاً مرتجفاً نحو الطاولة ساحباً معه أعين رواد المطعم العرب كلهم بلا استثناء وكأنهم بانتظار حدثٍ ما ليتركوا ما بيدهم و"يتطمشون عليه"!

بوصول الجرسون إلى الطاولة وبرؤيته للشعرة في الطبق زاد صوت عمار حدةً وارتفاعا.. وكلما ارتفع صوته وتوبيخه للجرسون الذي يكاد أن يبكي، زاد انكماشي في مقعدي وتهمّش وجودي أكثر وأكثر.. ثم جاء المدير القصير السمين بقده وقديده مُوبخاً الجرسون وطالباً من جرسون آخر بأن يتحرى من هو الطباخ الذي حضّر الـ"رسملاي".. ولم يقتصر الموقف على مراقبة العيون كلها لنا بل قام البعض وتبرع فُضولاً ليقترب أكثر وأكثر ويكوّن جماعةً من الذين تجمهروا حولنا.. واختلط الحابل بالنابل، وفي غمرة الأحداث تلك تدخل أحد المتجمهرين.. كان لابساً الثوب والغترة والعقال.. قال لي: (أعتقد نحن ساكنين معاكم في نفس الفندق.. ألستم أبناء فلان وفلان؟).. وافضيحتاه.. وامصيبتاه.. لقد طفح الكيل.. هنا أخرجت مبلغاً قد يكون أكثر قيمةً بكثير مما طلبناه ووضعته بيد الجرسون الذي اغرورقت عينيه بالدموع وطلبت من المدير أن يسامحه، وأخذت بيد عمار لأجرجره لخارج المطعم وبوصولي للباب سمعت أحد المتجمهرين "المتطمشين" يهتف: (أصيل.. ولد أصايل.. هذا من طيب أصلكم) وتبعه تصفيق وتصفير من البعض وهمهمات استنكار من آخرين.. وفور خروجنا من المطعم أوقفت أول سيارة أُجرة ودفعت عمار بداخلها دفعاً وطلبت من السائق بأن "يدوس" ويسرع بنا إلى الفندق.. كل ذلك وسط تحرطم عمار وسخطه واستنكاره على حرامني إياه من إكمال مسرحيته المجنونة!



***

مر اسبوع كامل على حادثة أو "طماشة" الشعرة.. وطيلة هذا الاسبوع لم نتكلم أنا وعمار عن تلك الحادثة أبداً.. كانت نظراتي له كافية في أكثر من موقعٍ وموقف لردعه عن التمادي في شيطنته وشطانته، فهو كان يعرف تمام المعرفة بأنني لن أتردد -إن تمادى هو- عن إخبار أبوه ببلوته الجديدة وما سيعقب ذلك حتماً من عقاب سجن الفيارين.. اسبوع كامل وأنا الآمر الناهي أينما ذهبنا وسنذهب.. اسبوعٌ بطوله وعرضه وأنا استمتع باليد العليا والسيطرة!! سحبته معي صاغراً طائعاً إلى كل مكانٍ كان يرفض الذهاب إليه.. فبعد برياني دلهي دربار صرنا نأكل الكلوب ساندويتش وبعده الفالودة في فندق تاج محل القديم، وبعد أن كنا نتسوق في محلات فندق الأوبروي أضحينا نتسوق في سكيك و"زواريب" كولابا الشعبية، ولم ندخل أي فلم هندي طيلة هذا الاسبوع أبداً أبدا..

***

يومٌ واحد كان يفصل بيننا وبين عودتنا إلى دبي.. وكان من المفترض آن نذهب آنا وعمار مع آبي وآبيه لتأكيد الحجوزات، وفي آخر لحظة قررا أن يذهبا لوحدهما ويتركانا مع "الحريم" لأن أخت عمار الصغيرة أرادت أن تأكل "رسملاي" في مطعم دلهي دربار.. حاولنا أنا وعمار إقناعها أن تعدل عن رأيها وتختار فالودة فندق تاج محل أو على الأقل أن نطلب نحن الـ "رسملاي" ونأتي به إلى الفندق، إلا أن جهودنا تلك ذهبت كلها أدراج الرياح حين جاء فصل القرار من أم عمار وأيدتها في ذلك أمي.. سنذهب جميعاً في "طلعة عائلية" أنا وأمي وعمار وأمه وأخته إلى مطعم دلهي دربار.. إلى حيث وقعت الواقعة..

ما إن دخلنا المطعم ألا وجاء المدير ليصافحنا أنا وعمار وهو يرسم ابتسامةً يرافقها هز الرأس المعهود قائلاً : (هيلو.. هيلو.. ويلكم.. ويلكم سير تو يور ريستورانت).. وأعقب المدير ذلك بتوجيه نظرة قاسية للجرسون الطويل النحيف ذاتهُ ذاته!! ركض الجرسون نحو إحدى الطاولات ليرتبها ويحضرها.. كل ذلك وسط دهشة أم عمار وأمي واستغرابهما لهذه الحفاوة الزائدة في الاستقبال.. قالت أم عماربعد جلوسنا على الطاولة: (ماشالله ماشالله عليكم صرتوا رياييل كبار تعرفون تتعاملون مع الناس وتخلونهم يحترمونكم)، رد عمار على أمه: (لازم لازم.. تربيتج أمي.. مدير المطعم علاقتي معه أنا بالذات ممتازة جداً جداً!).. فما كان مني إلا أن ركلت رجله من تحت الطاولة ووجهت له نظرة وعيد تذكره بسجن الفيارين، فقال مُردفاً: (وطبعاً حسن أيضاً علاقته بالمدير وأيضاً صاحب المطعم ممتازة ممتازة جداً!)

مرت الدقائق والثواني ببطءٍ شديد وأنا أتحاشي النظر إلى أيٍ من رواد المطعم خصوصاً أني عند دخولنا المطعم كنت قد لمحت أحد الذين تجمهروا وتحمسوا كثيراً حين وقعت واقعة الشعرة.. مرت تلك الدقائق والثواني وكل شيء على ما يرام.. وبعد تناول الوجبة الرئيسية جاء دور الحلويات، ودور الـ "رسملاي" الذي لأجله ولأجل أخت عمار جئنا هنا.. طلبت أخت عمار الرس ملاي وحدها ولم يطلب أياً منا أية حلويات.. وربما بسبب الزحمة وكثرة رواد المطعم في تلك الساعة تأخر الطلب حتى وصل.. وتهللت أسارير أخت عمار فرحاً بوصول مناها.. وبدأت تلتهم الـ "رسملاي" التهاماً سريعاً.. في تلك اللحظة أحسست بأن مدير المطعم ومن حواليه في الاستقبال، والجرسون النحيل المسكين، وكثيراً كثير ممن تجمهروا في حادثة الشعرة، كلهم يراقبونا.. ولم أفق من عمق إحساسي ذلك إلا على صرخة: (ماماااا!).. التفتُ إلى أخت عمار، وإذا بها مرعوبةٌ تُشير لشعرةٍ سوداء متربعة في وسط الـ"رسملاي" وهي تقول: (أخيييج.. شعر!).. خيل لي أن الجميع في المطعم سمعها وقد تركوا كل ما بيدهم ليتطمشوا ويتأهبوا ليكونوا أول المتجمهرين إذا ما ارتفع الصوت واختلط الحابل بالنابل كما في المرة السابقة..

ركلني عمار من تحت الطاولة وعلى وجهه علامات التمسكن والتذلل قائلاً بتعابير وجهه بأنه بريءٌ ولا دخل له ولا علم له من أين أتت هذه الشعرة! أما أمه فقد نظرت إلينا أنا وعمار باعتزاز قائلةً بلهجةٍ كلها ثقة: (أنا أبا أشوف عيالي الرياييل كيف يتصرفون، يجب على المدير على أقل تقدير أن يعتذر وأن يأتي بطبق رسملاي آخر غير هذا الوصخ!!).. حلّت غيمةُ صمتٍ كثيفة على الطاولة وأنا وعمار كُلٌ يُبحلق في وجه الآخر.. قالت أمي بعد ثوانٍ باستغراب: (ولماذا الصمت الآن؟ ألستم رياييل يُعتمد عليكم؟).. قلت متهرباً :(عمار علاقته مع المدير أحسن).. ركلني عمار من تحت الطاولة مردفاً: (صحيح.. صحيح.. علاقتي معه أحسن، ولكن المشكلة إنه حسن سوّى مشكلة ووضعنا في موقف حرج جداً جداً آخر مرة..).. لم أستطع هنا كتم ما كتمته لاسبوع كامل، فقاطعته منفجراً في كلماتي وسردت لهم كل ما حدث بالتفاصيل المملة، وعمار بين فترةٍ وأخرى يقاطعني تارةً وينكر بعض التفاصيل تارةً أخرى، وكلما ازداد هو في نفيه واستنكاره، كلما أضفت أنا للقصة بهارات ودراميات أكثر وأكثر!!

علت الدهشة وجه أمي وأمه وهم يراقبون ما يحصل.. وفي خضم معركة سرد التفاصيل قاطعتني أمي بلهجةٍ محتدة: (خلاص.. خلاص.. لا أريد سماع المزيد).. أما أم عمار أخذت تهدئ ابنتها التي ألحت على أن نطلب "رسملاي" آخر.. قال عمار لأمه وهو ينكمش في مقعده بصوتٍ يكادُ أن يختفي: (أعتقد بآننا تأخرنا وأبي قد رجع الفندق.. المسامح كريم.. لننسى الشعرة ولنطلب رسملاي آخر وما بنفتحه ولا بناكله إلا في الفندق!!).. نَظَرَت أمهُ لأمي وكلاهما يهُزُّ رأسه يمنةً يُسري غير مصدقين ما يحصل.. قات أمه وهي تنظر إليه وقد اتسعت عيناها غضباً: (انزين يا عمار.. اطلبلنا رسملاي ناخذه الفندق وهالمرة ما راح اخبر آبوك، بس لا تعيدها، وياويلك إن عدتها، والله يعينني عليك والله يساعدني ويكون في عوني على شيطانك!!)


***

مرت الأيام والسنين وتزوج عمار، وفي إحدى زياراتي له سألت ابنه حمد ذو الست سنوات مازحاً إن كان يؤذي و"يطفر" أبواه.. هز رأسه مستنكراً وقال: (لا.. لا أصلاً ما أقدر.. مرة حطيت شعر في أكل إختي فأبوي عصّب وقال إنه بيحطيني في سجن الفيارين إذا سويتها مرة ثانية!!)





السبت، فبراير ٢٥، ٢٠٠٦

جلاسجو ١٩٩٧



ليـلـــــة ٌعـن ألـــفِ ليـلـــــة



البرد القارس يتخلخل في عظامي، والغيوم كأنها غاضبةٌ تصب ذاك الغضب على الأرض أمطاراً وأمطارا.. الضباب الكثيف بدوره يصارع المطر، والقطرات الغاضبة ما أن تسقط على الأرض حتى تحاول الارتداد والصعود مرةً أخرى فيصرعها الضباب فتسقط منكسرةً ذليلةً بعد هيج ارتدادها..

وضعت مفتاحي بالباب وأدرته يمنةً، و بيدي الأخرى حاولت فتح الباب إلا أنه كان لا يزال مقفلاً.. أدرت المفتاح مرةً ثانية وثالثة ورابعة، يمنةً ويسرى حتى طفح بيَ الكيل.. وقفت محتاراً.. إنه ثالث اسبوعٍ لي في الغربة.. كانت تلك هي أول أيامي في مدينة جلاسجو ببريطانيا، وبالتحديد في أكتوبر 1997، كنت واقفاً أمام باب بيت العائلة الأسكتلندية التي استضافتني في أول سنة، أناسٌ طيبون وخيرون.. إنها الثانية والنصف صباحاً.. لا أعتقد بأنه من الأدب في هذه الأسابيع الأولى أن أزعجهم في هذه الساعة المتأخرة من الليل بدق الجرس، أعتقد بأنهم ظنوا بأني لا زلت في البيت فقفلوا الباب من الداخل، وبمفتاحي بالطبع لا يفتح ذاك القفل.. لم تكن من عادتي أبداً السهر حتى هذه الساعة المتأخرة، وكان يضرب بي المثل في بيتهم من ناحية تنظيم الوقت وعدم السهر،حتى أن الأم كانت دائماً تطلب من ابنها (روبرت) بأن يستفيد من انتظامي.. أعذرهم فعلاً إن كانوا قد قفلوا الباب بحسن نية.

لا أستطيع الحراك من برودة الجو، ويعتريني شعورٌ غريب بأن الليلة لن تمر بهدوء وأنها ستشتد نحاسةً باشتداد البرد.. لماذا جنيت على نفسي بالقدوم لهذه الأرض الباردة، إن كان هذا حالي في أول أزمة لي في الغربة فما هو حالي بعد سنين حين ألتحق بالجامعة وأبدأ في دراسة الطب البشري؟ يجب أن أكون مسؤولاً وأتصرف بحكمة.. أخذت نفساً طويلاً استعداداً لمواجهة المجهول.. لا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة مقولةٌ كنت قد فقدتها في أحد كهوف الذاكرة القديمة.. ما أقول في !دارٍ أولها بكاءٌ وآخرها فناء..

كانت تلك اللية بداية اجازة نهاية الاسبوع، وكنت قد خرجت لتوي من مقر تجمع شلتنا، شقة (ضاحي) الاماراتي، كان (ضاحي) يكبرنا سناً ويسكن في شقةٍ لوحده، أما نحن الثلاثة: أنا، و (حامد) البحريني، و (نواف) الكويتي كانت تلك سنتنا الأولى، وكنا نسكن مع عوائل مضيفة.. كنا قد اتفقنا نحن الأربعة على الذهاب إلى مدينة (بلاك بول) صباح غد.. قرر كل من (حامد) و(نواف) المبيت في شقة (ضاحي) تلك الليلة، أما أنا فاتفقت معهم بأني سأقابلهم في الثامنة صباحاً في شقة (ضاحي).. وها أنا قد رجعت لبيت العائلة، واقفاً عند الباب، محتاراً.. أعتقد أنه من الأفضل أن أرجع لشقة (ضاحي) وأقضي بقية الليلة هناك.. لا أريد أن أزعج العائلة.. سنة 1997 كانت قبل عصر ( الكل عنده موبايل)، وبطبيعة الحال لم أكن أملك أية وسيلة للاتصال بالشباب، وما كان علي الآن إلا البحث عن سيارة أجرة تقلني لشقة (ضاحي)..

الشارع الرئيسي يبعد عن البيت حوالي الربع ساعة مشياً، كان ذلك هو خياري الوحيد على الرغم من قسوة الجو والضباب الكثيف.. بدأت بالمشي والرياح ازدادت ضراوةً، وكأنها تعاندني وتعاكسني الاتجاه، المطر يزداد غزارةً وأنا أحاول حماية زجاج نظارتي الطبية من المطر، إلا أن المطر يجد وسيلةً للوصول حيث يريد! بدأت بالجري، لعل ذلك يخففف من شعوري بالبرد.. بدأت بصعود الهضبة التي تؤدي للشارع الرئيسي.. الأرض المبتلة تخدع توازني وأسقط، ثم أنهض وأردد في نفسي: ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، ومن لا يصعد الهضبة يبيت في البرد والمطر.. الساعة قاربت الثالثة صباحاً وقد وصلت لبر الأمان.. وصلت لمحطة توقف الحافلة حيث توجد كابنية تحميني من المطر.. لم تكن هناك أية حافلات في هذه الساعة المتأخرة، ولم أملك خياراً إلا انتظار أي سيارة أجرة..وجدت نفسي أمشي في دائرة صغيرة داخل الكابينة وأطلق زفراتًٌ حارة في يدي لعل ذلك يدفؤني من البرد القارس.. الشارع يخلو تماماً إلا من سيارة يتيمة تمر ببطءٍ شديد، وأخرى بداخلها مجنونٌ يتحدى الضباب.. أين هي سيارات الأجرة؟ أما من فاعل خيرٍ ينقذني؟ ماذا لو لم تمر سيارة ..أجرة حتى الصباح؟ لا.. لن أزعج العائلة.. سأصل لشقة (ضاحي) مهما طال الانتظار...

يئست من طول الانتظار وبدأت أمشي ثم أجري متجهاً نحو الشقة! رحلة الحافلة من المحطة إلى شقة (ضاحي) في نصف ساعة، كم ياترى ستستغرق رحلة الأقدام؟ لا أريد التفكير الآن.. خلايا مخي عاجزةٌ عن إجراء هذه المعادلة الحسالبية، كل ما أعرفه هو أن الانتظار دون فعل شيء سيزيد من ظلمة الليل والبرودة، وأن أسناني بدأت تصطك ببعضها وأنا غير قادرٍ على منعها! ملابسي مبتلة حتى أخمص قدمي بالماء البارد.. أنفاسي تتلاحق وعضلات رجلي بدأ الإرهاق يعييها، كنت أدعوالله من أعماق قلبي أن أستيقظ فجأةً من سباتٍ طويل وأجد نفسي في فراشي الوثير في دبي وما تكون أيام جلاسجو القليلة إلا كابوساً ينتهي فوراً.. أغمظت عيناي وأنا أجري.. الجنون بدأ يسري في عروقي.. كنت أجري وعيناي مغمضةٌ.. سأعد إلى العشرة ثم أفتح عيناي.. فعلتها.. ومرةً أخرى أغمضت عيناي وأنا أجري ثم بدأت بالعد للعشرين.. الأرض المبتلة خدعت توازني زلقت قدماي فسقطت أرضاً..

لماذا أغمضت عيناي؟ لماذا يتخذ الانسان أحياناً قرارات غير واقعية؟ قد تستغرق رحلة الأقدام حتى الصباح! لا أعتقد بأن بدني يتحمل هذه البرودة! بدأت في الجري مرةً أخرى وأنا أقرأ كل ما أحفظه من القرآن وكل ما أعرفه من أدعيةٍ وصلوات.. اللهم أرسل لي سيارة الأجرة.. يالله! الآن فقط فهمت تلك القصة! قصة البحار الملحد الذي انقطعت به السبل وهو وحيداً في عرض البحر.. حين لم يجد أحداً يساعده وبدأ قلبه بالصراخ استنجاداً بشيءٍ أقوى من الطبيعة.. إنني أمر بنفس الموقف ولكني مسلمٌ والحمدلله.. يالله.. يالله أعدك أن لا أقرب المعاصي وأن أحافظ على وقت صلاتي.. النجدةُ النجدة..

لاحت لي سيارة الأجرة من بعيد على الطرف الآخر من الشارع، فبدأت كالمجنون أركض في عرض الشارع ملوحاً بيدي وصارخاً: (النجدة! النجدة!).. لا أعرف إن كانت تلك الفرحة يومها تفوقها أي فرحةً أخرى.. على الرغم من حالي المزري.. إلا أن وقوف السيارة لي كان له علي وقعاً عظيماً.. هكذا يفرح الفقراء حين يأتيهم أقل الرزق حتى وإن كانوا تحت خط الفقر يعيشون.. رمقني سائق الأجرة بنظرات غريبة وهو يقول: (لقد انتهت مناوبتي هذه الليلة منذ مدة، فإن كان طريقك يصادف طريقي أخذتك وإلا فلا!).. أحمد الله وأشكره بأن وجهتي كانت في طريقه، وعلى الرغم من ريبة نظراته إلا أنه وافق على توصيلي.. لم أكن حينها أفهم اللغة الجديدة جيداً وبخاصةً لكنة أهل (جلاسجو).. سائق الأجرة كان ثرثاراً كأكثر سائقي سيارات الأجرة في هذه المدينة.. استغربت لأنه لم يسألني عن السبب الذي يجعلني أركض وحيداً في الظلمة والمطر الغزير! يقال إذا عُرف السبب بطل العجب! كل ما فهمته منه هو أنه ليس على علاقة طيبة مع زوجته وإن تأخر الليلة فسيحصل ما لاتُحمد عاقبته..

طلبت منه الوقوف بجاني الصراف الآلي الذي يبعد قليلاً عن الشقة، فلم تكن في محفظتي إلا ورقة خمسة جنيهات.. نزلت من السيارة وكان الجو قد هدأ قليلاً ودقات قلبي بدأت بالاطمئنان، إلا أن الصراف الآلي لم يكن يعمل، فطلبت من السائق أن يأخذني إلى الآلة الثانية، ويالعجبي لم تكن تعمل هي الأخرى! لم يسر السائق لذلك وسألني والشرار يفور في عينيه إن كانت لدي أية نقود، فما كان مني إلا أن سلمته الجنيهات الخمس بتردد.. أخذها ساخطاً على الرغم من أنها أقل عن نصف السعر، وانطلق بعيداً بعد أن شتمني! بدأت بالمشي مبتسماً نحو الشقة.. كانت الساعة قد قاربت الرابعة والنصف صباحاً حين وصلت إلى عتبة العمارة التي كان يقطن فيها (ضاحي).. دلفت من باب العمارة الذي كان دائماً مفتوحا، وبتثاقل صعدت السلالم للطابق الثالث.. جرس الشقة كان عاطلاً، وكسل (ضاحي) أثقله عن إصلاحه.. طرقت الباب بهدوء في البداية، ثم بقوة.. لا حياة لمن تنادي.. النوم سلطان! الظلمة الحالكة في الممر وصوت صفير الهواء عند دخوله من باب العمارة يشعلان الخوف في قلبي.. أخذت نفساً طويلاً واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وطرقت الباب بقوةٍ وأنا أصرخ: (ضاحي)، (حامد)، (نواف).. لا حياة لمن تنادي..

بدأ اليأس بالتسلل إلى عروقي، تذكرت أني حين كنت بجانب الصراف الآلي الأول مرت سيارة شرطة.. سأذهب لنفس المكان وانتظر سيارة شرطة أخرى، لعلهم يأخذوني لفندقٍ قريبٍ أو بعيد أبيت فيه الليلة، أو لعلي أجد أجرةٌ أخرى.. ما كان هدوء الجو إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة.. ازدادت الرياح ضراوةً والغيوم الآن غاضبةً أكثر من ما مضى.. دخلت صندوق الهاتف.. لعله يحميني من البرد والمطر.. كان جسمي يرجف برداً، والخوف من المجهول قد سيطر علي.. إنها سيارة الشرطة! أخيراً! خرجت من الصندوق ولكن للأسف لم يلمحوني أبداً.. أطرقت برأسي للأرض واتجهت نحو عتبة العمارة وجلست عند الباب، أحتمي من المطر.. أغمضت عيني لبرهة وكدت أن أسقط في النوم، إلا أني حاولت المقاومة...

غشاءٌ باردٌ يغطي وجهي، أرى صوراً تتلاحق، وأصواتٌ مألوفة تتلاحق هي الأخرى.. دموعٌ تدخل عيناي! ياللعجب الدموع عادةً تخرج من العين وليس العكس، رأسي يستند على شيءٍ صلب ورائحةٌ غريبة تزعجني.. أحاول الحراك ولكن يدي ثقيلة.. حركت يدي باتجاه وجهي وإذا بي أتحسس وجهي مبللاً بالماء وقطرات المطر كالإبر في وجهي.. فتحت عيناي مستغرباً.. رأسي على الرصيف! لقد خطفني النوم وألقى بي على أرضية الرصيف.. نهضت بسرعة غير مصدقٍ لما حدث.. دخلت العمارة (ونفضت ما علق بي من أخلة الرصيف! صعدت السلالم للشقة وأسندت ظهري لباب شقة (ضاحي) ..واستسلمت للنوم..

فتحت عيناي وإذا هي الساعة السابعة صباحاً.. لم يكن هذا حلماً بل لا زالت ملابسي مبللة! ولم تزل رائحة الرصيف تنخر في أنفي! سمعت أصوات الشباب في الشقة وكلهم نشاط وحيوية.. بدأت الحياة تسري في عروقي.. كل ما استطعت فعله هو طرق الباب والصراخ: (حامد!).. لا أدري لماذا اخترت أن أناديه هو دون الآخرين، لعله كان أقربهم إلي.. سمعته يقول ضاحكاً كعادته مرحاً دائما: ا

ا(هاذي بوعلي.. صوته وكأنه لا زال نائماً)! فتح الباب فنهضت بصعوبة وأردت أن أقول شيئاً إلا أن الكلمات التي خرجت من فمي كانت همهمات لم أفهمها حتى أنا.. الدهشة علت وجه (حامد) وخرجت عيناه من مقلتيها، قال في تردد: (بوعلي.. أفا والله أفا!.. تأتي هنا وأنت سكران! أنت آخر من توقعته أن يكون خماراً.. إن الرائحة النتنة تفوح منك فوحاً!) لماذا أساء الظن بي؟ لماذا؟ حاولت أن أشرح له موقفي.. إلا أني لم أستطع إلا أن أتمتم: ( عيب! أعرف ربي)!

لا أعتقد أنه صدقني بدايةً، ولكنه أدخلني للصالة، ولم يكن (ضاحي) و(نواف) بأقل استغراباً من (حامد).. أعطوني عدة بطانيات.. وقدم لي (ضاحي) شراباً ساخناً.. بدأت باسترداد وعيي وذهني .. لم أقوى على شرح ما حصل إلا أني طلبت من (ضاحي) ملابس بديلةً، وقلت لهم: (الله معاكم.. أما أنا فسأنام هنا الآن.. وحين ترجعون الليلة أوقظوني!) استسلمت للنوم اللذيذ أمام المدفئة.. وبالفعل كنت لا أزال نائماً حين رجعوا هم قبل منصف الليل.. أوقظني الثلاثة معاً ضاحكين قائلين :(عيب.. أعرف ربي!).. شرحت لهم كل ما حدث بالتفاصيل المملة.. ضحكت كثيراً على موقف (حامد) حين رآني عند الباب.. ولا زلت أضحك حتى يومي هذا كلما تذكرت تلك الليلة.. ليلة عن ألف ليلة..

* * *

مرت السنين وفي آخر يومٍ لـ (نواف) في بريطانيا قبل رجوعه للكويت قال لي متردداً: (اسمحلي اذا كنا غلطنا عليك.. وإن كنت لا تزال تذكر ليلتك المنحوسة في جلاسجو.. فإنني في تلك الليلة سمعت طرقات الباب وصراخك ولكنني رجحت بأنها حلمٌ مزعجٌ و أني لن أسمح له أن يسرق مني نومي اللذيذ بجانب المدفئة.. كانت بالفعل ليلة باردة جداً!) لم يكن مني إلا أنني ابتسمت ثم لكمته بقبضة يدي بكل ما أوتيت من قوة على كتفه قائلاً: (أتمنى أن لا تنسى تلك الحادثة) لا أعتقد بأن ردة فعلي أسرته أبداً.. يستاهل! أعتقد بأنها ردة فعل طبيعية! أليست كذلك؟


الثلاثاء، يونيو ١٤، ٢٠٠٥

دبي ١٩٩٦


تســـــــــــاؤل






براعمٌ تتفتح بيننا
عبقها سحرٌ، ونظراتها ملؤها البراءة
أطفالٌ تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسابعة ربيعاً
سبعةٌ كان عددهم

في صيف سنة 1996 كانوا سبعةً، سبعة براعم في صفٍ واحد
لا أدري لماذا لم يدرس في ذاك الصف مدرساً إلا واعتذر عن اكمال هذا المشوار

مجرد صفٍ يتم فيه تحفيظ الأطفال آياتٌ من الذكر الحكيم
طلب مني صاحبي أن أجرب يوماً واحداً فقط.. قد لا يروق لي التدريس، وقد تأخذني مشاغل أخرى.. فقط أرادوني كمدرساً مؤقتاً

راقت لي الفكرة.. ووافقت على الفور
مجرد سبعة أطفال
وأنا المدرس الآمر الناهي
ما أسهل تلك المهمة

وفي أول يوم
عند دخولي الصف
كان الأطفال يلهون ويلعبون كلٍ في فلكه يسبح.. يالبرءتهم
لم ينتبهوا لدخولي.. أو ربما لم يهمهم الأمر

انتظرت لدقيقة.. دقيقتين.. ثلاثة.. خمسة
تظاهرت بتصفح كتاباً بين يدي
!لا زال الأطفال يلهون.. بل زادت حركتهم
!دقيقةً بعد دقيقة كان الأطفال يتجاهلوني أكثر فأكثر

تذكرت كيف كان جدي ينبهنا بقدومه ..(إحم إحم).. قلتها بصوتٍ عالٍ كي يسمعها الجميع.. ولكن لا حياة لمن تنادي
!قال أحدهم (الأستاذ يقول إحم إحم.. هاهاها) .. وضحك الجميع
!ياإلهي.. إن الأطفال يستهزؤون بي

يجب علي أن أسيطر على الوضع
كيف؟ كيف؟

:قلت لهم بصوتٍ عالٍ لم أستطع إخفاء نبرة غضبٍ بسيطة فيه
أنا المدرس الجديد.. فليرجع الجميع لمقاعدهم.. سنبدأ الدرس حالاً

شعرت بوغزة تأنيب حين أدركت أن بعضهم شعر بالخوف من لهجتي الآمرة
جلس الجميع.. سأبدأ الدرس الآن
يا إلهي.. إن الوقت يمر بسرعةٍ خرافية.. لم يبق من زمن الحصة إلا خمسة عشرة دقيقة

سألتهم عن أسماؤهم ثم بينت لهم بأني سأبدأ في تلاوة الآيات المخصصة للحفظ ومن ثم سنقرؤها جميعاً معأ

:بدأت بالتلاوة
.....أعوذ بالله من الشيطان الــــــ
:قاطعني أحدهم بكل براءة
أستاذ كيف شكل الشيطان؟؟

توجهت جميع نظرات الأطفال نحوي.. وكأني العالم بخبايا الأمور.. كيف لي أن أعرف ماهو شكل الشيطان؟ كيف أرد على هذا الاستفسار البرئ؟
،صبغت نظراتي وتعبيرات وجهي بصبغة الثقة
:قلت

بالفعل، سؤال ذكي جداً، من منكم أيها الأطفال يعرف شكل الشيطان؟
لعدة ثوانٍ كان الصمت سيد المكان

!!كان عقلي يبحث عن حلٍ لهذه المعضلة.. لا أستطيع أن أجيب على أول سؤالٍ لي كمدرس

قال أحد الأطفال قاطعاً حبل الصمت: أنا أعرف شكل الشيطان
:وتوالت الهتافات هنا وهناك
!أنا رأيته! أخي رآه! أختي كلمته! أنا أراه كل يوم

مازادت تلك الهتافات من حيرتي إلا حيرةً مضاعفة
قلت لهم إذن كيف شكله؟

بدأ الأطفال الافتاء في تلك المسألة، لا أذكر ما قالوه اليوم، فقط أذكر وصف أحدهم
كان أصغرهم سناً
أصغرهم حجماً
أكثرهم براءةً
وأكثرهم صمتاً

كان الجميع يتكلم ويبدي رأيه إلا هو… صامتاً، رافعاً يده، طلبت من الجميع السكوت

: سألته
(أتعرف أنت شكل الشيطان؟)

:أخذ يومئ برأسه إيجاباً لعدة ثوانٍ، ثم قال ببطءٍ روائي اصطنع فيه لهجة تخويف
(استـــاذ، الشيطـــان مــربـــــــــع أســــود كبيــــــــر، وعنــده أذون حمـــرة كبيـــرة مثل الفيــــــل)
!كدت أن أنفجر ضاحكاً، إن مخيلة هذا الطفل واسعةً جداً، وفي يومٍ من الأيام حتماً سيصبح مهندساً

!لا أدري كيف توصلت إلى الجواب في تلك اللحظة

:قلت لهم
..لا أحد منا يرى الهواء، ولكن كلنا نحس به
..لا أحد يستطيع أن يرى رائحة العطر، ولكننا نشمها
الشيطان نحس به ولكننا لانراه ولا نعرف شكله
حين يحين وقت الصلاة وتطلب الأم من ابنها أن يصلي، يقول هو أحياناً (انشالله)، وفي أحيانٍ أخرى يتثاقل يقول (لحظة/ دقيقة/ بعد شوي).. هذا الكسل والتثاقل هو من صنع الشيطان، حينها نحس بالشيطان ولكنا لا نراه

بحثت في أعينهم.. هل ياترى أقنعتهم بذاك الجواب.. وهل ياترى فهموا تلك الفلسفة المبسطة؟

ضرب الجرس معلناً نهاية الحصة.. سألني الأطفال: أستاذ، هل ستأتي غذاً لتدريسنا؟
ابتسمت ثم أومأت برأسي ايجاباً

لقد كنت مخطئاً حين ظننتهم مجرد أطفالٌ تسهل السيطرة عليهم.. إنهم عقولٌ متفتحة، وكتلةٌ من التساؤلات البريئة
لم تكن بالمهمة السهلة
لقد كانت تجربةٌ فريدة
..تجربةٌ أتمنى أن أكررها في المستقبل

الخميس، يونيو ٠٢، ٢٠٠٥

قــلــمــي


كان المطـــرُ غزيــــراً




عشقت القلم حين كنت ابن ثلاثة عشر عاماً
خمسة أعوامٍ قضيتها في حبه هائماً

أعطاني الكثير
أعطاني الأمل والتفوق

،كان لي سفينةً أبحرت بها في عالم الكنابة
دخلت معه عوالماً بُهر بها عقلي الصغير حين ذاك

أول تجربةٍ لي مع القلم كانت قصةً قصيرة
حلقت فرحاً حين نُشرت تلك القصة في الجريدة الرسمية

لا زلت أحتفظ بذاك العدد في شنطةٍ قديمة
ويومٌ بعد يوم اكتظت الشنطة بالصحف والمجلات
كلها نشرت كتاباتي

تقدمت لمسابقتين للقصة القصيرة
مرةً وأخرى ذهلت حين فزت
يوماً بعد يوم.. زاد حبي للقلم

خمس سنواتٍ قضيتها في حبه هائماً

..وفي يومٍ
يومٌ أذكر نفاصيله بدقة
يومٌ لم أكن أعرف أنه سيكون بداية الانعطاف والسير في طريقٍ جديد
وتحدٍ جديد

يوم ٌ أخذتني آمالي لصنع مستقبلٍ مشرق.. أخذتني لرحلة البداية
رحلة دبي - لندن
وبدأ مشوار الغربة
ومشوار الدراسة الجامعية في بريطانيا

كانت صدمةٌ لي حين وُجهت بلغةٍ لا أفقه فيها حتى أبسط فنون الكلام
ومرت السنين، كانت بها أياماً بل أسابيع، لم تنطق فيها شفتاي بأي حرفٍ عربي إلا ما ندر
كان تصميمي لتعلم فنون اللغة الجديدة قوياً
وقي غمرة نجاحي في التمكن من صعود درجات سُلّم تلك اللغة.. ذاك السُلّم اللانهائي
في زحام ذاك العالم المبهر
وجدت مُدونةٌ قديمة
صفحاتها صفراءٌ لفها غبارسبع سنوات

تصفحتها
ضحكت على سذاحتي حين كنت في الثامنة عشر
استغربت من المستوى المبتدئ(الرديئ) لكتاباتي بالانجليزية حينها
سبحت في فضاء الذكريات طويلاً

صفحةٌ واحدة توقفت عندها طويلاً.. ضحكت.. حزنت.. أخذني الزمن سبع سنين إلى الوراء.. وعشت لحظاتٍ كما عشتها حين كتبت تلك السطور

كانت تلك هي إحدى الصفحات القليلة التي دونتها بالعربية
كتبتها.. في أولى الأسابيع
كان المطر غزيراً
وكنت بجوار النافذة.. أتأمل القطرات
:أخذت بقلمي وكتبت هذه السطور

حين تهطل الآمطار الغزيرة "
وتسير الوديان إلى المناطق البعيدة
حينها أذكر مياه الخليج تحت شمسٍ مضيئة
أذكر الأهل والأصدقاء والحبيبة
"فأُرسل لهم أبياتي بحبهم أسيرة

كلماتٌ بسيطة، لكن وقعها كان عليّ عظيماً
حينها أدركت بأنني ظلمت القلم الذي عشقته دهراً
ظلمته.. هجرته سنيناً مرّت في لمح البصر

ترددت في الامساك بالقلم.. أهو حزينٌ لهجري إياه؟
أيكون عطاؤه لي كما عهدته في سنين الأحلام؟

أقبلت على القلمِ حزيناً متألما.. كيف هجرتك ياصاحبي كيف؟

أقبلت عليهِ فإذا بهِ يفتح ذراعيه مرحباً، ويدعوني للإبحار معه
ركبت السفينة مبحراً إلى حيث يأخذني القلم
حينها تيقنت أن عبق العشق يدوم للأبد
للأبد

أقبلت على عالم الكتابة مرةً أُخرى وأضحت مشاعري فيه أسيرةً
لا أستطيع التوقف عن الكتابة.. لا أستطيع
تأخذ من وقتي الكثير

الوقت ضيق لكن عشقي للقلم أكبر من كل ذلك